ابن رضوان المالقي

21

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

ودناءة وحطة لم يعرف لها الزمان مثيلا . لم يكن ابن الخطيب متقلب الأهواء ، كما تصور بعض مؤرخيه . وإنما كان متقلب الولاء ، يتقلب بسهولة من مادح إلى قادح ، ومن شاكر إلى ذام ، وكل هذا في سبيل شيء واحد : ذاته هو وترفه هو ، وأن يعيش منعما متلذذا إلى أوج التنعم والتلذذ ، فحين توارى أبو سالم في التراب ، تطلع ابن الخطيب بعينيه الغادرتين إلى الوزير القاتل ، قاتل صديقه وحاميه ، قاتل صاحب الأيادي السابغة عليه ، عمر بن عبد اللّه الفودودي ، يحاول أن يجد لديه نفس النعمة التي أسبغها عليه أبو سالم ، فرحل من سلا إلى فاس لكي يهنئ السلطان أبا زيان ، ووزيره المتغلب عليه عمر بن عبد اللّه ويطلق القصائد الرنانة في مدحهما ، بل يدعو أبا زيان ( بابن الخلائف وسمي محمد ) ( والخليفة الامام ، الذي استبشر به الإسلام « 29 » ) يفعل هذا وهو يعلم أن أبا زيان والفودودي توليا السلطة على جثة حاميه وصديقه ، أبي سالم ولم يكن دمه قد جف بعد في قبره ، بل ثبت أن الغني باللّه ولسان الدين بن الخطيب كانا يسعيان لدى ملك قشتالة لارجاع أبي زيان ، وقد كان في أسره ، ليتولى ملك المغرب ، مقابل أن يقطعهما الوزير مدينة رندة الأندلسية ، ومن أملاك بني مرين لكي يتخذها الغني باللّه قاعدة لاسترداد ملكه ، وقد نجح الغني باللّه في وساطته لدى ملك قشتالة ، فاطلق سراح أبي زيان ، وتولى عرش المغرب في ظل المتغلب عليه الوزير الفودودي ، ولا شك أن ابن رضوان كان في المعمعة ، كبير الكتاب ، للملك الجديد وللفودودي . وكان ابن الخطيب يوثق الصلات به . وكانت غاية ابن الخطيب من كل هذه الاتصالات ألا تنقطع جرايته . ومن المرجح أن ابن رضوان تدخل لدى الوزير الفودودي ، ولم يقطع الوزير جراية ابن الخطيب ولا مخصصاته ، كما استمر عطف الدولة على سلطان ابن الخطيب المنفي الغني باللّه وقد تمكن الغني باللّه من استرداد عرشه في غرناطة بواسطة الفودودي من ناحية وملك قشتالة من ناحية أخرى . وثمت ملاحظة هنا هامة هو أن ملك قشتالة سواء أكان الفونسو الحادي عشر أو بيدرو الثاني كان حينئذ المرجع النهائي لهؤلاء الملوك الصغار ، يلعبون ويتلاعبون بهم . وكان أبو سالم المريني نفسه قد لجأ

--> ( 29 ) الأستاذ محمد عبد اللّه عنان : لسان الدين بن الخطيب حياته وتراثه الفكري ص 94 ، 95 - وانظر أيضا بداية السفر الثالث من نفاضة الجراب - ونفح الطيب ج 4 ص 532 ، 533 .